المقريزي

91

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

ولا يوافق أحدا على مصلحة ، فإن سكتنا تعبنا ، وإن عزلناه قام علينا من الناس الصياح بسببه . فقال : يا مولانا السّلطان ، واللّه ، ليس لي غرض في هذا الكلام ؟ إنما قصدي جمال مملكة السلطان . فأسرّها السلطان في نفسه ، وبعد قليل مات ولي الدين عبد اللّه بن أبي البقاء قاضي دمشق ، فكتب السلطان إلى البرهان بولاية قضاء « 1 » دمشق ، فامتنع ، وتعلّل بشيخوخته وعجزه ، فتخيّل الظّاهر أنّه لا يرى صحّة الولاية عنه ، وغضب ، فبعث بعض أعين ابن جماعة إليه بذلك ، وتحذره من الامتناع ، وتخوفه عاقبة ذلك ، فبعث إليه السّلطان يعزم عليه إلا قبل ، فأجاب على كره منه ؛ وتوجه إلى دمشق ، وأحوالها في غاية الخلل ، وليس بمودع الحكم للأيتام مال البتة . فباشر على عادته إلى أن مات بها يوم الجمعة ثامن عشر شعبان سنة تسعين وسبع مائة ، وترك بالمودع ما ينيف على ألفي ألف درهم فضة ثمنها فوق المائة ألف مثقال من الذهب ، رحمه اللّه ، فلقد كان إماما عالما بالفقه والحديث والتفسير وأخبار الناس والعربية ، خطيبا بلغيا ، حسن الصوت في القراءة بالمحراب ، مهابا شديدا على الملوك والأكابر ، عفيفا عن كل ما يشين ، تاركا للأغراض الدّنيوية ، جليلا مليح الوجه ، جميل المحيّا ، زائد الوقار ، بهج الزي ، كثير الإفضال ، عالي الهمة ، ملوكي النّفس ، وهّابا ، مفضالا ، ماجدا ، حشما ، فخورا ، عديم النّظير ، عزوفا عن الضّيم ، مترفّعا على العظماء ، متواضعا مع الفقراء ، صارما لا يراجع في مجلسه ولا يختلف عليه . وبالجملة فلقد كان مفخرا تتجمّل به الدّول ، وتتزين بوجوده الملوك والخول ، وتتشرف به الرّتب العليّة ، وتختال به عجبا المناصب الدّينية . وقد قرأت عليه غير مرة واستفدت منه ، وكان صديقا لأبي ، وسمع على جدّتي لأبي زينب بنت الكمال كتاب « الموطأ » على ما أخبرني بذلك من لفظه رحمه اللّه وغفر له . وسيرد من مناقبه في هذا الكتاب طرف في تراجم من رويتها عنه إن شاء اللّه تعالى .

--> ( 1 ) سقطت من ج ، وهي ثابتة بخط المصنف .